الأهمية الاستراتيجية لممرات البحر الأحمر والخليج العربي البحرية
تُصنف المياه المحيطة بشبه الجزيرة العربية من بين أكثر المناطق البحرية أهمية استراتيجية على مستوى العالم. فالبحر الأحمر، الذي يربط قناة السويس بالمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، يحمل ما يُقدر بنحو اثني عشر إلى خمسة عشر بالمائة من التجارة البحرية العالمية. والخليج العربي، المرتبط بالمحيط المفتوح عبر مضيق هرمز، يعمل كممر عبور لنحو خُمس الاستهلاك العالمي من البترول. ومعا تشكل هذه الممرات المائية شريان الحياة الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي وشريانا حيويا للتجارة الدولية.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يرتبط الأمن البحري ارتباطا لا ينفصل عن الأمن الوطني. فالساحل الغربي للمملكة يمتد حوالي 1,800 كيلومتر على طول البحر الأحمر، بينما يواجه ساحلها الشرقي الخليج العربي على مسافة قرابة 560 كيلومترا. وتصطف على كلا الساحلين موانئ تجارية كبرى ومحطات تحلية مياه تنتج حصة كبيرة من مياه الشرب في المملكة وبنية تحتية بحرية للطاقة ومنشآت بحرية.
مشهد التهديد البحري
تنوعت متجهات التهديد التي تؤثر على العمليات البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
التهديدات الجوية بدون طيار برزت كمصدر قلق مستمر في المجال البحري. يمكن إطلاق أنظمة جوية صغيرة بدون طيار من مواقع ساحلية أو سفن لإجراء الاستطلاع أو إيصال حمولات أو إرباك أنظمة الدفاع من خلال تكتيكات الأسراب.
المراكب السطحية غير المأهولة المحملة بمتفجرات تمثل تهديدا آخر غير متماثل تم إثباته عمليا في المنطقة. هذه المراكب الموجهة عن بُعد أو المستقلة يمكنها الاقتراب من السفن التجارية أو الأصول البحرية بسرعة عالية.
تهديدات الألغام البحرية تظل مصدر قلق مستمر، خاصة في نقاط الاختناق حيث تكون الملاحة محصورة في قنوات ضيقة صالحة للملاحة.
التهريب والاتجار غير المشروع يواصلان استغلال الفضاء البحري الشاسع، مستخدمين الزوارق السريعة والسفن التقليدية والإخفاء في السفن التجارية لنقل المواد المحظورة والأسلحة والأفراد عبر الحدود البحرية.
الوعي بالمجال البحري: رؤية الصورة الكاملة
يبدأ الأمن البحري الفعال بوعي شامل بالمجال البحري: القدرة على معرفة ما يحدث عبر البيئة البحرية في جميع الأوقات.
تتبع نظام التعرف التلقائي يوفر أساس المراقبة البحرية التعاونية. لكن نظام AIS هو نظام إبلاغ ذاتي يمكن تزويره أو تعطيله أو إيقافه ببساطة من قبل السفن الراغبة في التهرب من الكشف.
شبكات الرادار الساحلية توفر كشفا غير تعاوني للسفن السطحية ضمن نطاق تغطيتها، ويمتد عادة من أربعين إلى ستين ميلا بحريا من الشاطئ.
المراقبة بالأقمار الصناعية تمد الوعي بالمجال البحري إلى ما وراء مدى المستشعرات الشاطئية. ويمكن لأقمار الرادار ذات الفتحة الاصطناعية كشف السفن في المحيطات المفتوحة بغض النظر عن الطقس أو الوقت.
المراقبة الجوية باستخدام طائرات الدورية البحرية المأهولة والأنظمة الجوية بدون طيار توفر المرونة للتحقيق في جهات الاتصال محل الاهتمام.
أمن الموانئ: الدفاع عن البنية التحتية البحرية
تمثل الموانئ العقد الحرجة حيث تتقارب شبكات النقل البحرية والبرية. ويشمل أمن الموانئ الدفاع عن المحيط المادي والمراقبة من جهة المياه والكشف تحت الماء وفحص البضائع وإدارة حركة السفن.
محيط الميناء من جهة المياه أصعب بطبيعته في التأمين من حدوده البرية. ويتطلب معالجة أمن المياه نهجا متكاملا يجمع بين رادار المراقبة السطحية وأنظمة السونار وكشف الغواصين والكاميرات الكهروبصرية مع التتبع الآلي وفرق القوارب السريعة للاستجابة.
عمليات الدورية والاعتراض البحرية
يُفرض الأمن البحري في النهاية في البحر بواسطة السفن البحرية وخفر السواحل التي تجري عمليات الدورية والمراقبة والاعتراض. وتتطلب المتطلبات التشغيلية المفروضة على هذه القوات في البحر الأحمر والخليج العربي تواجدا مستمرا عبر مساحات شاسعة والقدرة على الاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة.
المراقبة الساحلية والقيادة والسيطرة البحرية المتكاملة
تكامل جميع مصادر المراقبة البحرية في بنية قيادة وسيطرة موحدة هو حجر الزاوية للأمن البحري الفعال. وتعمل مراكز العمليات البحرية كالعقد المركزية حيث تُدمج بيانات المستشعرات وتُقيَّم الأوضاع وتُتخذ القرارات وتُوجَّه القوات.
اتجاهات التقنية: مستقبل الأمن البحري
المراكب السطحية المستقلة تقدم إمكانية تواجد مراقبة ودورية مستمرة بدون تكلفة ومتطلبات طاقم المنصات المأهولة.
الأنظمة الجوية البحرية بدون طيار المصممة خصيصا للبيئة البحرية تمد نطاق واستمرارية المراقبة الجوية.
الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يُطبقان على الوعي بالمجال البحري لأتمتة تصنيف السفن وكشف أنماط السلوك الشاذ والتنبؤ بتحركات السفن.
الوعي بالمجال تحت المائي أولوية ناشئة مع تزايد أهمية التهديدات تحت السطحية والبنية التحتية تحت المائية.
السياق الإقليمي: تأمين نقاط الاختناق الاستراتيجية
يتحكم مضيق باب المندب، بعرض حوالي ثلاثين كيلومترا في أضيق نقاطه، في الوصول بين البحر الأحمر وخليج عدن. ومضيق هرمز، بعرض حوالي تسعة وثلاثين كيلومترا مع قنوات ملاحية لا تتجاوز ستة كيلومترات، يتحكم في الوصول بين الخليج العربي وخليج عُمان.
الموقع الجغرافي للمملكة العربية السعودية، بسواحل على كل من البحر الأحمر والخليج العربي، يضعها في نقطة تقاطع تحديي أمن نقطتي الاختناق. ويجب على قوات الأمن البحري للمملكة الحفاظ على قدرات المراقبة والاستجابة عبر كلا المسرحين في آن واحد.
تأمين طرق التجارة البحرية الحيوية
أمن ممرات البحر الأحمر والخليج العربي البحرية مسؤولية مشتركة تتجاوز أي دولة بمفردها. ويوفر التعاون الإقليمي من خلال منظمات مثل مجلس التعاون الخليجي والقوات البحرية المشتركة والاتفاقيات الأمنية الثنائية الإطار لعمليات الأمن البحري التعاونية.
بالنسبة لصناع القرار الدفاعي في المملكة العربية السعودية وعبر دول الخليج، فإن حالة الاستثمار في الأمن البحري واضحة. فالقيمة الاقتصادية للتجارة البحرية المتدفقة عبر المياه الإقليمية والأهمية الاستراتيجية لبنية الطاقة التحتية على طول كلا الساحلين والطبيعة المتطورة للتهديدات البحرية تتطلب جميعها التزاما مستداما بالوعي بالمجال البحري وتحديث القوات والتعاون الإقليمي. فأمن البحار هو، بمعنى مباشر جدا، أمن ازدهار واستقرار المنطقة.



